في خطوة تاريخية تعزز مكانتها العلمية على الساحة الدولية، أطلقت المملكة العربية السعودية أول بعثة علمية لها إلى القارة القطبية الجنوبية، وذلك بعد انضمامها إلى معاهدة القطب الجنوبي في مايو 2024. تأتي هذه البعثة في إطار الجهود البحثية الرامية إلى دراسة التغيرات البيئية وتأثير الكائنات البحرية في الحد من تغير المناخ. تأتي هذه الخطوة كخطوة داعمة في إطار تعزيز المكانة التي تطمح المملكة في الوصل اليها من خلال رؤية المملكة 2030.
أول بعثة علمية سعودية - رحلة بحثية فريدة تحت إشراف علماء "كاوست"
يشارك في هذه البعثة العالمان كارلوس بريكلر ودييغو ريفيرا من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، بقيادة البروفيسور كارلوس دوارتي، أحد أبرز الباحثين في مجال البيئة البحرية. واستمرت الرحلة من 11 يناير إلى 27 فبراير، حيث قام الفريق بجمع عينات حيوية من المحيط الجنوبي بهدف تحليل العلاقة بين تعافي أعداد الحيتان وعملية احتجاز الكربون.
الحيتان.. مهندسو النظام البيئي البحري
تلعب الحيتان دورًا أساسيًا في التوازن البيئي البحري، حيث تسهم في إعادة توزيع المغذيات عبر البحار، مما يعزز نمو العوالق النباتية التي تعد عنصرًا أساسيًا في امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. وتستمر هذه العملية حتى بعد وفاتها، حيث تغرق أجساد الحيتان إلى قاع المحيط، مما يؤدي إلى عزل الكربون لمئات أو آلاف السنين.
وتشير تقديرات بعض الاقتصاديين إلى أن القيمة الاقتصادية للحيتان تتجاوز تريليون دولار، نظرًا لدورها الكبير في تنظيم المناخ من خلال إزالة الكربون وتعزيز صحة النظام البيئي البحري.
تحليل علمي لدعم السياسات البيئية
تمثل البعثة العلمية التي يقودها فريق "كاوست" خطوة مهمة نحو فهم التأثير الكمي للحيتان على احتجاز الكربون، وهو ما سيساعد في تقييم الفوائد الاقتصادية للسياسات المتعلقة بالحفاظ على هذه الكائنات البحرية. وتُعد القارة القطبية الجنوبية موقعًا مثاليًا لدراسة تعافي أعداد الحيتان، بعد أن تعرضت لصيد جائر خلال القرن العشرين أدى إلى انخفاض أعدادها بنسبة 90%.
وفي هذا السياق، صرح البروفيسور دوارتي قائلاً:
"بعد مشاركتي في أكثر من عشر بعثات علمية إلى القارة القطبية الجنوبية، أشعر بالفخر لعودة فريقي البحثي إلى هذه المنطقة، هذه المرة تحت مظلة مؤسسة سعودية، للمساهمة في تعزيز المعرفة العلمية ودعم جهود الاستدامة البيئية".
إعادة بناء التاريخ البيئي للحيتان
بفضل العينات التي تم جمعها خلال الرحلة، والتي تحتوي على نظائر وكيمياء وحمض نووي غني بالمعلومات، يأمل الفريق البحثي في إعادة بناء تاريخ أعداد الحيتان خلال الـ 400 عام الماضية. وستساعد هذه الأبحاث في تحديد العلاقة بين انخفاض أعداد الحيتان وتأثير ذلك على إنتاجية المحيط وكثافة العوالق البحرية، مما يوفر رؤى علمية جديدة حول كيفية دعم استعادة التوازن البيئي للمحيطات.
السعودية ودورها في الأبحاث البيئية العالمية
تم تمويل هذه البعثة من خلال مشروع Convex Science Survey، وهو مبادرة علمية تضم أكثر من 60 عالمًا عالميًا، يستخدمون بيانات الأقمار الصناعية والنمذجة الحاسوبية والدراسات الميدانية لفهم كيفية تأثير المحيطات على تنظيم مستويات الكربون في العالم. وتعد جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) المؤسسة الوحيدة من الشرق الأوسط وآسيا المشاركة في هذا المشروع الطموح.
معاهدة القطب الجنوبي.. التزام سعودي بالبحث العلمي
في مايو 2024، أصبحت المملكة العربية السعودية الدولة رقم 57 التي تنضم إلى معاهدة القطب الجنوبي، والتي تم توقيعها لأول مرة عام 1959 بمشاركة 12 دولة، بهدف تعزيز التعاون الدولي في الأبحاث العلمية في هذه القارة الفريدة، التي تعد أبرد صحراء في العالم. ويشترط على الدول الأعضاء تنفيذ مشاريع بحثية كبرى تسهم في فهم النظام البيئي القطبي وحماية موارده الطبيعية.
تمثل هذه البعثة نقطة تحول في المسيرة العلمية للمملكة، حيث تعكس التزامها الراسخ بتعزيز البحث العلمي والتكنولوجيا، ليس فقط على المستوى المحلي، ولكن على نطاق عالمي، من خلال المساهمة في جهود الاستدامة البيئية وحماية المحيطات.